الشريف الرضي
166
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
القرآن ، أنا اذهب إليه وأتبع نهجه فيه ، وهو : اعتقاد أنه ليس شئ من الحروف جاء في القرآن إلا لمعنى مفيد ، ولا يجوز أن يكون لقى مطرحا ، ولا خاليا من الفائدة صفرا ، وذلك أن الزيادات والنقائص في الكلام إنما يضطر إليها ويحمل عليها الشعر الذي هو مقيد بالأوزان والقوافي ، وينتهي إلى غايات ومرام ، فإذا نقصت أجزاء كلامه قبل لحاق القافية التي هي الغاية المطلوبة ، اضطر الانسان إلى أن يزيد في الحروف ، فيمد المقصور ويقطع الموصول [ 1 ] وما أشبه ذلك ، وإذا زاد كلامه - وقد هجم على القافية فاستوقفته عن أن يتقدمها وأخذت بمخنقه دون تجاوزها - اضطر صاحبه إلى النقصان من الحروف ، فقصر الممدود ، ووصل المقطوع ، وما أشبه ذلك ، حتى يعتدل الميزان وتصح الأوزان . فأما إذا كان الكلام محلول العقال مخلوع العذار ، ممكنا من الجري في مضماره ، غير محجور بينه وبين غاياته ، فإن شاء صاحبه أرسل عنانه ، فخرج جامحا ، وأن شاء قدع [ 2 ] لجامه ، فوقف جانحا ، لا يحصره امد دون امد ، ولا يقف به حد دون حد - فلا تكون الزيادات الواقعة فيه إلا عيا واستراحة ، ولغوبا وإلاحة [ 3 ] ، وهذه منزلة ترفع عنها كلام الله سبحانه الذي هو المتعذر المعوز ، والممتنع المعجز ، وكل كلام إنما هو مصل خلف سبقه ، وقاصر عن بلوغ أدنى غاياته ، بل قد يرتفع عن هذه المنزلة كلام الفصحاء ،
--> ( 1 ) اي : يجعل همزة الوصل كهمزة القطع ( 2 ) قدعه : كبحه أو كفه وفي ( خ ) : ( قذع ) والصحيح ما أثبتناه . ( 3 ) يقال ألاح على الشئ : أي : اعتمد عليه فتقارب الإلاحة حينئذ معنى الاستراحة ويحتمل أن يكون من ألاح : إذا أشفق وخاف .